سيد محمد طنطاوي

158

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

نشأ من مكانه ، إذا نهض منه . * ( هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً ) * قرأ الجمهور * ( وَطْئاً ) * بفتح الواو وسكون الطاء مقصورة ، وقرأ بعضهم وطاء بكسر الواو وفتح الطاء ممدودة . والمعنى على القراءة الأولى : أن الصلاة الناشئة في الليل ، أثقل على المصلى من صلاة النهار ، لأن الليل للنوم . . . ومنه قوله صلى اللَّه عليه وسلم « اللهم اشدد وطأتك على مضر » . والمعنى على القراءة الثانية : أنها أشد مواطأة وموافقة بين السمع والبصر والقلب واللسان ، لانقطاع الأصوات والحركات ، ومنه قوله - تعالى - : لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّه أي : ليوافقوا . * ( وأَقْوَمُ قِيلًا ) * أي : وأشد مقالا . وأثبت قراءة ، لحضور القلب فيها ، وهدوء الأصوات ، وأشد استقامة واستمرارا على الصواب . . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا ) * تقرير للأمر بقيام الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة والتقرب إليه - سبحانه - . والسبح : مصدر سبح ، وأصله الذهاب في الماء والتقلب فيه ثم استعير للتقلب والتصرف المتسع ، الذي يشبه حركة السابح في الماء . أي : إنا أمرناك بقيام الليل للعبادة والطاعة ، لأن لك في النهار - أيها الرسول الكريم - تقلبا وتصرفا في مهماتك ، واشتغالا بأعباء الرسالة يجعلك لا تستطيع التفرغ لعبادتنا ، أما في الليل فتستطيع ذلك لأنه وقت السكون والراحة والنوم . فالمقصود من الآية الكريمة التخفيف والتيسير عليه صلى اللَّه عليه وسلم وبيان الحكمة من أمره بقيام الليل - إلا قليلا منه - للعبادة ، حيث لم يجمع - سبحانه - عليه الأمر بالتهجد في الليل والنهار ، وإنما يسر عليه الأمر ، فجعله بالليل فحسب ، أما النهار فهو لمطالب الحياة : ولتبليغ رسالته - سبحانه - إلى الناس . ثم أمره - سبحانه - بعد ذلك بالمداومة على ذكره ليلا ونهارا فقال : * ( واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إِلَيْه تَبْتِيلًا . رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ لا إِله إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْه وَكِيلًا ) * . وقوله - سبحانه - : * ( وتَبَتَّلْ ) * من التبتل ، وهو الاشتغال الدائم بعبادة اللَّه - تعالى - ، والانقطاع لطاعته . ومنه قولهم بتل فلان الحبل ، إذا قطعه ، وامرأة بتول .

--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 5 ص 317 للشوكاني .